أحمد الشرباصي

79

موسوعة اخلاق القرآن

« قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ » . ونسوقه لنفاسته مع تصرف يسير : المقصود من الآية الإشارة إلى ما قرره حكماء الاسلام من أن السعادات الروحية أفضل من السعادات الحسية ، وقوله تعالى « فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا » يفيد الحصر ، أي لا يليق أن يفرخ الانسان الا بذلك ، لأن اللذات الحسية لا معنى لها الا دفع الآلام ، وهذا معنى عدمي ، والمعنى العدمي لا يستحق أن يفرح به . وكذلك نجد أن التضرر بآلام اللذات الجسمية أقوى من الانتفاع بلذاتها ، كما أنه لا سبيل إلى تحصيل لذات الجسم ، الا عن طريق البطن والفرج ، وأما الآلام فان كل جزء من أجزاء بدن الانسان معه نوع من الآلام . واللذات الجسمية لا تكون خالصة البتة ، بل تكون ممزوجة بأنواع من المكاره . واللذات الجسمية لا تكون باقية ، فكلما كان الالتذاذ بها أكثر كانت الحسرات الحاصلة من خوف فواتها أكثر ، ولذلك قال المعري : ان حزنا في ساعة الموت أضعا * ف سرور في ساعة الميلاد فمن المعلوم ان الفرح الحاصل عند حدوث الولد لا يعادل الحزن الحاصل عند موته . ونرى اللذات الجسمية حال حصولها ممتنعة البقاء لأن لذة الاكل لا تبقى بحالها بل كلما زال ألم الجوع زال الالتذاذ بالاكل ، ولا يمكن استبقاء هذه اللذة . كما أن الالتذاذ باللذات الجسمانية التذاذ بأشياء خسيسة ، فإنها التذاذ بكيفيات حاصلة في أجسام سريعة الفساد مستعدة للتغير ، وأما اللذات الروحانية فإنها بضد ذلك ، فثبت أن الفرح باللذات الجسمانية فرح باطل ناقص ، وأما الفرح الكامل فهو الفرح بالروحانيات . ومن الواجب على العاقل حين تحصل له اللذات الروحية ألا يفرح بها